الراسخون في العلم
الرَّاسِخُونَ فِي العِلم مصطلح قرآنيّ يُشير إلى الثابتين في العلم الذين لا يختلفون في علمهم. ويرى علماء الشيعة، استنادًا إلى الروايات، أنّ مصداق هذا التعبير هو النبيّ الأكرم
وأهل البيت
. وذهب بعضُهم إلى توسيع دلالته ليشمل جميع العلماء والمفكّرين، مع التأكيد على أنّ النبيّ وأهلالبيت
يمثّلون أبرز مصاديقه وأكملها.
وقد اختلف المفسّرون المسلمون في أنّ الرّاسخين في العلم هل يعلمون تأويل الآيات المتشابهة أم لا؟ فذهب بعض مفسّري الشيعة، استنادًا إلى رواياتٍ مرويّة في الكافي، إلى أنّ الراسخين في العلم عالمون بتأويل الآيات المتشابهة. وفي المقابل، يرى بعضُ مفسّري الشيعة وأهل السنة والجماعة أنّ علم تأويل الآيات المتشابهة يختصٌ بالله تعالى، وأنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويلها.
وقد ورد ذكر الراسخين في العلم في سورة النساء، حيث وُصفوا بأنّهم يؤمنون بالنبيّ محمد
وما أُنزل من قبله. وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ مصداق «الراسخين في العلم» في هذه السورة هم اليهود العارفون بـالتوراة الذين صدّقوا نبيّ الإسلام.
المفهوم
بحسب روايةٍ عن الإمام الباقر
، فإنّ الراسخين في العلم هم الذين لا يختلفون في علمهم.[١] وعرّف الطبرسي، وهو من مفسّري الشيعة، الراسخين في العلم بأنّهم الثابتون في العلم الضابطون له المتقنون فيه.[٢] وذهب بعضُ المفسّرين إلى أنّهم الذين رسخت أقدامهم في العلم لكثرته عندهم،[٣] وجعلوا العلم وسيلةً لفهم الحياة ومعرفة حقائقها.[٤] وفي كتاب الدر المنثور للسيوطي، وردت عن نبيّ الإسلام
روايةٌ تُعرّف الراسخين في العلم بأنّهم «مَن صدق حديثه، وبرّ في يمينه، وعفّ بطنه وفرجه».[٥]
وقد ورد تعبير «الرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ» في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.[٦] ويتعلّق جزءٌ من هذه الآية بفهم تأويل الآيات المتشابهة في القرآن.[٧] كما ورد هذا التعبير في سورة النساء أيضًا: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.[٨]
هل يعرف الراسخون في العلم تأويل الآيات المتشابهة؟
ورد في الآية 7 من سورة آل عمران أنّ علم تأويل الآيات المتشابهة خاصٌّ بالله تعالى.[٩] وقد طُرحت في تفسير «الراسخين في العلم» نظريّتان رئيسيتان:
- النظرية الأولى: يرى بعض المفسّرين أنّ «الراسخين» هم الذين يعلمون تأويل الآيات المتشابهة،[١٠] وقد أيّد محمد جواد مغنية ، وهو مفسّر شيعي، هذا الرأي، معتبرًا أنّ نزول آيةٍ لا يعلم أحدٌ معناها أمرٌ غير مقبول.[١١] كما ذكر مجمع البيان تأييدًا لهذا الرأي أنّ الصحابة والتابعين كانوا مجمعين على أصل تفسير جميع آيات القرآن، ولم يكونوا يتوقّفون عند آيةٍ بحجّة كونها متشابهة لا يعلم تأويلها إلا الله.[١٢]
- النظرية الثانية: يرى بعض مفسّري الشيعة[١٣] وأهل السنة[١٤] أنّ الواو في «وَالرَّاسِخُونَ» واو استئناف، فتكون جملةً جديدةً لا ارتباط لها بما قبلها. وبناءً على ذلك، فإنّ علم تأويل الآيات المتشابهة مختصٌّ بالله تعالى، وأمّا الراسخون في العلم فموقفهم الإيمان والتسليم دون العلم بالتأويل. وقد شبّه العلامة الطباطبائي هذا الأمر بمسألة علم الغيب، حيث تحصر بعضُ الآيات علمَ الغيب بالله، مع وجود آياتٍ أخرى[١٥] تذكر موارد استثناء.[١٦]
من هم الراسخون في العلم؟
تعدّدت الآراء في تحديد مصداق الراسخين في العلم:
- النبيّ الإسلام وأهل البيت
: نقل الطبرسي[١٧] والقمي،[١٨] وهما من علماء الشيعة، رواياتٍ تعرّف نبيّ الإسلام
بأنّه أفضل الراسخين في العلم، وأنّ أوصياءه من بعده من جملتهم. كما رُوي عن الإمام الباقر
أنّ الأئمّة، وفي روايةٍ أخرى آل محمد
، هم الراسخون في العلم.[١٩] وبحسب الروايات التي أوردها الكليني في الكافي، فإنّ الراسخين في العلم هم الإمام علي
والأئمّة من بعده.[٢٠] وقد وصف الإمامُ علي من يزعم أنّه من الراسخين في العلم دونهم بأنّه كاذب ظالم.[٢١]
- جميع العلماء والمفكّرين: يرى بعض العلماء أنّ مفهوم الراسخين في العلم واسعٌ يشمل كلّ العلماء والمفكّرين، غير أنّ فيهم أفرادًا متميّزين يُعدّون المصداق الأوّل والأكمل لهذا الوصف.[٢٢] وينقل الطبرسي أنّ ابن عباس كان يعدّ نفسه من الراسخين في العلم.[٢٣] وقد فُسّرت الروايات التي خصّت الراسخين في العلم بالنبيّ والأئمّة
على أنّها من باب بيان المصداق الأكمل.[٢٤] كما اعتبر العلامة الطباطبائي هذه الروايات من قبيل تطبيق المفهوم الكلّي على المصداق الخاصّ، أي النبيّ وأهلالبيت.[٢٥]
- الراسخون في العلم من اليهود الذين أسلموا
ذكر الله تعالى في سورة النساء الراسخين في العلم، وهم الذين يؤمنون بنبيّ الإسلام وبما أُنزل من قبله.[٢٦] وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد بهم أهل الكتاب[٢٧] واليهود[٢٨] العارفين بـالتوراة، الذين أقرّوا بصدق النبيّ، وقالوا: إنّ ما جئتَ به حقّ.[٢٩] كما عدّ بعض المفسّرين عبد الله بن سلام وأتباعه، الذين كانوا مؤمنين بالتوراة، من مصاديق هذه الآية.[٣٠] وقد عُدّت هذه الآية في مقام الثناء على اليهود المؤمنين العفيفين، الراسخين في العلم، الذين آمنوا بالله وبما أُنزل على نبيّ الإسلام وعلى الأنبياء السابقين.[٣١]
الهوامش
- ↑ الكليني، الكافي، 1407هـ، ج1، ص245.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1372ش، ج2، ص698-699.
- ↑ الحسيني الشيرازي، تبيين القرآن، 1423هـ، ص61.
- ↑ المدرسي، من هدى القرآن، 1419هـ، ج2، ص251.
- ↑ السيوطي، الدر المنثور، 1404هـ، ج2، ص7.
- ↑ سورة آلعمران، الآية 7.
- ↑ القمي، تفسير القمي، 1404هـ، ج1، ص96-97.
- ↑ سورة النساء، الآية 162.
- ↑ الشيخ الطوسي، التبيان، بيروت، ج2، ص400.
- ↑ الشيخ الصدوق، كمالالدين، 1395هـ، ج2، ص649.
- ↑ مغنية، التفسير الكاشف، 1424هـ، ج2، ص14.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1372ش، ج2، ص701.
- ↑ البلخي، تفسير مقاتل بن سليمان، 1423هـ، ج3، ص264؛ الطباطبائي، الميزان، 1417هـ، ج3، ص28.
- ↑ الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 1420هـ، ج7، ص145؛ السيوطي، الدر المنثور، 1404هـ، ج2، ص7.
- ↑ سورة الجن، الآية 27.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1417هـ، ج3، ص28.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1372ش، ج2، ص700.
- ↑ القمي، تفسير القمي، 1404هـ، ج1، ص96-97.
- ↑ الحويزي، نور الثقلين، 1415هـ، ج1، ص315.
- ↑ الكليني، الكافي، 1407هـ، ج1، ص213.
- ↑ نهجالبلاغه، تصحيح صبحي صالح، خطبة 144، ص201.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1379ش، ج2، ص402.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1372ش، ج2، ص700.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1379ش، ج2، ص402.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1417هـ، ج3، ص70.
- ↑ سورة النساء، الآية 162.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1417هـ، ج5، ص138.
- ↑ الحسيني الشيرازي، تبيين القرآن، 1423هـ، ص114.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1372ش، ج3، ص215.
- ↑ البلخي، تفسير مقاتل بن سليمان، 1423هـ، ج1، ص264.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1379ش، ج3، ص533.
المصادر والمراجع
- البلخي، مقاتل بن سليمان، تفسير مقاتل بن سليمان، تحقيق: عبد الله محمود شحّاته، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1423هـ.
- الحسيني الشيرازي، السيد محمد، تبيين القرآن، بيروت: دار العلوم، ط2، 1423هـ.
- الحويزي، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، تحقيق: السيد هاشم رسولي المحلاتي، قم، منشورات إسماعيليان، ط4، 1415هـ.
- السيد الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح، قم، مؤسسة الهجرة، ط1، 1414هـ.
- السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.
- الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق وتصحيح: علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، ط2، 1395هـ.
- الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، مقدمة: آقا بزرك الطهراني، تحقيق: أحمد قصير العاملي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.
- الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، مكتب النشر الإسلامي، ط5، 1417هـ
- الطبرسي، فضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، مقدمة: محمد جواد البلاغي، طهران، ناصر خسرو، ط3، 1372هـ.ش.
- الفخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط3، 1420هـ.
- القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، تحقيق وتصحيح: السيد طيب الموسوي الجزائري، قم، دار الكتاب، ط3، 1404هـ.
- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق وتصحيح: علي أكبر الغفاري، ومحمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ط4، 1407هـ.
- المدرسي، السيد محمد تقي، من هدى القرآن، طهران، دار محبي الحسين، ط1، 1419هـ.
- مغنية، محمد جواد، تفسير الكاشف، طهران، دار الكتب الإسلامية، ط1، 1424هـ.
- مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب(ع)، 1379ش.